محمد بن جرير الطبري

228

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ قال : كان موسى أمر قومه عن أمر ربه أن يقتل بعضهم بعضا بالخناجر ، فجعل الرجل يقتل أباه ويقتل ولده ، فتاب الله عليهم . حدثني المثنى ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ الآية . قال : فصاروا صفين ، فجعل يقتل بعضهم بعضا ، فبلغ القتلى ما شاء الله ، ثم قيل لهم : قد تيب على القاتل والمقتول . حدثنا المثنى ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى ، فتضاربوا بالسيوف ، وتطاعنوا بالخناجر ، وموسى رافع يديه . حتى إذا فتر أتاه بعضهم قالوا : يا نبي الله ادع الله لنا وأخذوا بعضديه يشدون يديه ، فلم يزل أمرهم على ذلك حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيدي بعضهم عن بعض ، فألقوا السلاح . وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم ، فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى : لا يحزنك ، أما من قتل منكم فحي عندي يرزق ، وأما من بقي فقد قبلت توبته . فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري وقتادة في قوله : فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ قال : قاموا صفين فقتل بعضهم بعضا حتى قيل لهم كفوا . قال قتادة : كانت شهادة للمقتول وتوبة للحي . حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال لي عطاء : سمعت عبيد بن عمير يقول : قام بعضهم إلى بعض يقتل بعضهم بعضا ، ما يتوقى الرجل أخاه ولا أباه ولا ابنه ولا أحدا حتى نزلت التوبة . قال ابن جريج ، وقال ابن عباس : بلغ قتلاهم سبعين ألفا ، ثم رفع الله عز وجل عنهم القتل ، وتاب عليهم . قال ابن جريج : قاموا صفين ، فاقتتلوا بينهم ، فجعل الله القتل لمن قتل منهم شهادة ، وكانت توبة لمن بقي . وكان قتل بعضهم بعضا أن الله علم أن ناسا منهم علموا أن العجل باطل فلم يمنعهم أن ينكروا عليهم إلا مخافة القتال ، فلذلك أمر أن يقتل بعضهم بعضا . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما رجع موسى إلى قومه ، وأحرق العجل وذراه في اليم ؛ خرج إلى ربه بمن اختار من قومه ، فأخذتهم الصاعقة ، ثم بعثوا . سأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل ، فقال : لا ، إلا أن يقتلوا أنفسهم . قال : فبلغني أنهم قالوا لموسى : نصبر لأَمر الله ، فأمر موسى من لم يمكن عبد العجل أن يقتل من عبده ، فجلسوا بالأَفنية وسلت عليهم القوم السيوف ، فجعلوا يقتلونهم ، وبكى موسى وبهش إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم ، فتاب عليهم وعفا عنهم ، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف . حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : لما رجع موسى إلى قومه ، وكانوا سبعون رجلا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه . فقال لهم موسى : انطلقوا إلى موعد ربكم ، فقالوا : يا موسى أما من توبة ؟ قال : بلى فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ الآية فاخترطوا السيوف والجرزة والخناجر والسكاكين . قال : وبعث عليهم ضبابة ، قال : فجعلوا يتلامسون بالأَيدي ، ويقتل بعضهم بعضا . قال : ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله ولا يدري ، ويتنادون فيها : رحم الله عبدا صبر حتى يبلغ الله رضاه . وقرأ قول الله